{أَغْرَقْنَاهُمْ} بالطوفان؛ أي: أهلكناهم بمائه، والإغراق السفول في الماء كما سيأتي. وهو استئناف مبين لكيفية تدميرهم {وَجَعَلْنَاهُمْ} ؛ أي: وجعلنا إغراقهم، أو قصتهم {لِلنَّاسِ آيَةً} عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها أو سمعها، وهو مفعول ثان لـ {جعلنا} و {لِلنَّاسِ} ظرف لغو له؛ أي: جعلنا قصتهم عبرة لكل الناس على العموم، يتعظ بها كل مشاهد لها وسامع لخبرها {وَأَعْتَدْنَا} ؛ أي: أعددنا وهيأنا في الآخرة {لِلظَّالِمِينَ} ؛ أي: لهم؛ أي: للمغرقين من قوم نوح، والإظهار في موضع الإضمار للتسجيل بظلمهم، والايذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب. فالمراد بالظالمين قوم نوح على الخصوص، ويجوز أن يكون المراد بهم كل من سلك مسلكهم في التكذيب: {عَذَابًا أَلِيمًا} ؛ أي: وجيعًا سوى ما حل بهم من عذاب الدنيا.
وحاصل معنى الآية: أي وكذلك فعلنا بقوم نوح حين كذبوا رسولنا نوحًا عليه السلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله، ويحذرهم نقمته {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} فأغرقناهم، ولم نترك منهم أحدًا إلا أصحاب السفينة، وجعلناهم عبرة للناس، كما قال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) } ؛ أي: أبقينا لكم السفينة؛ لتذكروا نعمة الله عليكم بإنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق بأمره.
وفي قوله: {كَذَّبُوا الرُّسُلَ} وهم لم يكذّبوا إلا رسولًا واحدًا؛ وهو نوح إيماء إلى أن من كذب رسولًا واحدًا .. فقد كذب جميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول وآخر؛ إذ جميعهم يدعون إلى توحيد الله ونبذ الأصنام والأوثان، قاله الزجاج.
ثم ذكر مآل المكذبين، فقال: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} ؛ أي: وأعددنا لكل من كفر بالله، ولم يؤمن برسله عذابًا أليمًا في الآخرة. وفي ذلك رمز إلى أن قريشًا سيحل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة مثل ما حل بأولئك المكذبين إذا لم يرعووا عن غيهم.
قصص عاد وثمود وأصحاب الرس وغيرهم