والخلاصة: أنهم أتوا بأعجب من هذا كله، وهو تكذيبهم بالساعة، ومن ثم فهم لا ينتفعون بالدلائل, ولا يتأملون فيها. ثم توعدهم وبين عاقبة أمرهم وما كتب لمثلهم من الخيبة والخذلان. فقال: {وَأَعْتَدْنَا} ؛ أي: هيأنا وأحضرنا. وأصله أعددنا {لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ} ؛ أي: بالبعث والحشر والنشر والحساب والجزاء. وضع الظاهر موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع.
{سَعِيرًا} ؛ أي: نارًا عظيمة شديدة الاشتعال تسعر وتتقد عليهم. قال بعضهم: سعير الآخرة، إنما سعرت من سعير الدنيا وهي حرص العبد على الدنيا، وملاذها
12 - {إِذَا رَأَتْهُمْ} صفة للسعير؛ أي: إذا كانت تلك السعير بمرأىً منهم، وقابلتهم بحيث صاروا بإزائها، كقولهم داري تنظر دارك؛ أي: تقابلها، فأطلق الملزوم، وهو الرؤية وأريد اللازم، وهو كون الشيء بحيث يرى، والانتقال من الملزوم إلى اللازم مجاز.
والمعنى: إذا قابلتهم تلك السعير، أو المعنى: إذا رأتهم رؤية حقيقية بعينها، كما جاء في حديث:"أن لها عينين"ولا مانع منه. اهـ."شيخنا".
{مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} وهو أقصى ما يمكن أن يرى منه. قيل: من المشرق إلى المغرب وهي خمس مائة عام. وفيه إشارة إلى أن بعدما بينها وبينهم من المسافة حين رأتهم خارج عن حدود البعد المعتاد في المسافات المعهودة.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف تتصور الرؤية من النار، وهو قوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ} ؟
قلت: يجوز أن يخلق الله لها حياةً وعقلًا ورؤيةً ونطقًا فالبنية ليست شرطًا. قال بعضهم: وهذا هو الحق، كما يدل عليه، قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} فلا حاجة إلى تأويل أمثال هذا المقام.
{سَمِعُوا لَهَا} ؛ أي: للنار {تَغَيُّظًا} ؛ أي: غليانًا {وَزَفِيرًا} ؛ أي: صوتًا كصوت الحمار. وقيل: تغيظًا؛ أي: صوت تغيظ وغضب على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ؛ أي: الغضبان إذا غلى صدره من الغيظ، فعند ذلك يهمهم. والهمهمة ترديد الصوت في الصدر.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يسمع التغيظ الذي هو بمعنى الغضب؟
قلت: في الكلام تقديم وتأخير وتقدير. والمعنى: إذا رأتهم سمعوا لها زفيرًا، وعلموا لها تغيظًا. نظير قول الشاعر: