أي وعد الله المؤمنين منك أيها الناس ، وعملوا الأعمال الصالحات {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} قيل: أرض المشركين بعد النبي . فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو ، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين ، فكان ما وعد به ، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون ، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك ، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به ، لم يمتنع منه
شيء ، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله ، وربما وافق بعض ما أخبر به ، وأخطأ في بعض ، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به ، فلما كان كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى ، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره ، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام . لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده . وفيها دلالة على خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، وعلى أمانتهم ، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم . لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة"وهذا موافق للآية
ومعنى: {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} ، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك
الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها ، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض ، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة ، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً.
ثم قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ} ، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به ، وإنما جاء {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} في جواب {وَعَدَ} لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم.