وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} . إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَظْهَرَ مَعَانِي قَوْلُهُ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سُمُّوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِ مَنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِيهَا، عَلَى مَا أَبَاحَ لَهُمْ مِنَ الْأَكْلِ مِنْهَا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَظْهَرَ مَعَانِيهِ، فَتَوْجِيهُ مَعْنَاهُ إِلَى الْأَغْلَبِ الْأَعْرَفِ مِنْ مَعَانِيهِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ مِنْهَا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَا خَالَفَ مِنَ التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ حَرَجٌ، أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْأَغْلَبُ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَلَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ. ثُمَّ جَمَعَ هَؤُلَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ قَبْلُ فِي الْخِطَابِ، فَقَالَ: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِ أَنْفُسِكُمْ. وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا جَمَعَتْ بَيْنَ خَبَرِ الْغَائِبِ وَالْمُخَاطَبِ، غَلَّبَتِ الْمُخَاطَبَ فَقَالَتْ: أَنْتَ وَأَخُوكَ قُمْتُمَا، وَأَنْتَ وَزَيْدٌ جَلَسْتُمَا، وَلَا تَقُولُ: أَنْتَ وَأَخُوكَ جَلَسَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وَالْخَبَرُ عَنِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ، غَلَّبَ الْمُخَاطَبَ، فَقَالَ: أَنْ تَأْكُلُوا، وَلَمْ يَقُلْ: أَنْ يَأْكُلُوا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَذَا الْأَكْلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَدْ عَلِمْنَاهُ كَانَ لَهُمْ حَلَالًا إِذْ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ، أَوْ كَانَ أَيْضًا حَلَالًا لَهُمُ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِمْ؟