وأما قوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} فهو جواب لقسم محذوف، تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم في الأرض. وهذا الجواب، قال على المفعول المحذوف، أو جواب للوعد، بتنزيل وعده تعالى منزلة القسم لتحقق إنجازه لا محالة.
وهذه الجملة مقررة لما قبلها، من أن طاعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات، بالاستخلاف لهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة.
وقيل: هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله .. فقد أطاع الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - . وقد أبعد من قال: إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وظاهر قوله: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} كل من استخلفه الله سبحانه في أرضه، فلا يخص ذلك ببني إسرائيل، ولا أمة من الأمم دون غيرها.
والمعنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات استخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم بالأمن. وأقسم سبحانه: وعزتي وجلالي، ليجعلنهم خلفاء في الأرض، متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، استخلافًا كائنًا، كاستخلاف الذين من قبلهم، وهم بنو إسرائيل، استخلفهم الله في مصر والشام، بعد إهلاك فرعون والجبابرة. وظاهر الآية العموم كما مر آنفًا.
وقرأ الجمهور: {كَمَا اسْتَخْلَفَ} بفتح الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم بضمها على البناء للمفعول وكسر اللام، فالموصول مرفوع.