أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون في النجاة فضلا أن يطمعوا في الاستخلاف، والتمكن في الأرض، وإظهار الدِّين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من اللَّه، ووعد منه، فكان ما وعد دل أنه باللَّه وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أُولَئِكَ، وبشارة للمؤمنين، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .
قوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك - أيضًا - فهو فاسق.
ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره عليها فهو كذا.
وجائز أن يكون قوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) ليس له جواب.
وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(56) فيما أمركم به ونهاكم عنه (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
ثم قال: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ(57) قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُعْجِزِينَ) أي: فائتين في الأرض هربًا من عذابه؛ فلا يدركهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سابقين في الأرض هربًا - أيضًا - حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد
(وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قد ذكرناه أيضًا.
وقوله: (لَا تَحْسَبَنَّ) كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعلم أنهم ليسوا بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ، هما واحد.