الراجح من أقوال الفقهاء أن البلوغ لا يكون إلا بالاحتلام أن بالسن وهي سن الخامس عشرة كما مر معنا ، وقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه اعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ ، واستدل بما روي عن (عطية القرظي) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت ، قال: فنظروا إليّ فلم أكن قد أنبتُّ فاستبقاني .
وما روي أيضاً أن عثمان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال: هل أخضرّ عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة .
وبقية الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلاً على البلوغ حتى قال الجصاص إن حديث (عطية القرظي) لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه:
أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبرِ في نفي البلوغ إلاَّ بالاحتلام .
وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعض الروايات أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفي بعضها من أخضرّ عذاره ، ومعلومٌ أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدّم بلوغة .
وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر للقتل لذلك لا للبلوغ .
والصحيح أن الإمام الشافعي رحمه الله جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر ، والجزية ، والمعاهدة ، وغيرها من الأحكام لا أنه جعله دليلاً على البلوغ مطلقاً ، كما نبّه على ذلك بعض العلماء .
قال الآلوسي: ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله (خمسة أشبار) وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتصّ له ، ويقتصّ منه .
وعن أنس رضي الله عنه قال: أُتي أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلّى عنه وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... وسما فأدرك خمسة الأشبار