الخطاب وإن كان ظاهره للصغار الذين لم يبلغوا الحلم ، إلا أنَّ المراد به الكبار ، فقد أمر الله الرجال أن يعلِّموا مماليكهم وخدمهم وصبيانهم ، ألاّ يدخلوا عليهم إلا بعد الاستئذان ، فهو في (الظاهر) متوجه للصغار وفي (الحقيقة) للمكلفين الكبار ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر"وكقولك: للرجل: لِيَخَفْك أهلُكَ وولَدُك ، فظاهر الأمر لهم وحقيقةً الأمر له بفعل ما يخافون عنده .
الحكم الرابع: هل الاستئذان على سبيل الوجوب أو الندب؟
ظاهر الأمر في قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} أنه للوجوب وبهذا الظاهر قال بعض العلماء . والجمهورُ على أنه أمر (استحباب وندب) وأنه من باب (التعليم والإرشاد) إلى محاسن الآداب . فالبالغُ يستأذنُ في كلّ وقت ، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث .
وقد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: (آيةٌ لا يؤمنُ بها أكثر الناس: آية الإذن ، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن علي) وأشار إلى جارية عنده صغيرة .
والآية محكمة لم ينسخها شيء على رأي الجمهور ، وزعم بعضهم أنها منسوخة لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جارياً على خلافه . وقال آخرون: إنما كان هذا في العصر الأول لأنه لم تكن لهم أبواب تغلق ولا ستور تُرْخى واستدلوا بما رواه عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس: كيف ترى هذه الآية التي أُمِرْنا فيها بما أُمِرْنا ، ولا يعمل بها أحد؟ قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ .. .} .