ووجه آخر زائد إلى ما تقدم أن تكون الأرض المخبر عنها هي الأرض
المقدسة، وهي مكان ملك داوود وسليمان، وموضع أنزل فيه الزبور وكتب في الذكر
الأول، ثم بعد في الزبور:"إن أرض بيت المقدس المعهودة يرثها عبادي"
الصالحون"والكتب الأولى بشارة لكونها لبني إسرائيل إلى أن فسدوا واختلفوا،"
فأدال الله فيها من شاء، ثم الكتب في الزبور بشارة بوراثة هذه الأمة إياها.
ومفهوم الوراثة يعطي أنهم - أعني: الصالحين - يرثونها من غير الصالحين،
فورثها صدر هذه الأمة، وهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المسلمين عن
الروم، ثم عمرها المسلمون بذلك خلف عن سلف إلى أن فسدت الأعمال منهم،
وظهرت فيهم البدع، وجريت القلوب خلفهم فيها الروم من لدن عام تسعة وثمانين
وأربعمائة إلى هلم جرًّا، ثم إذا صلح آخر هذه الأمة - إن شاء الله - فتحها الله
عليهم وأورثهم إياها، ثم كذلك ما صلحوا إلى وفاة عيسى ابن مريم - صلوات الله
وسلامه عليه وعلى من تبعه بإحسان - وبوفاته تكون وفاة المؤمنين معه، ثم تخلف
المؤمنين فيها وفي غيرها غيرهم إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها وهو خير
الوارثين، ففي هذا التقليب وتحقيق هذه الوراثة للصالحين واستخلافه الغير منهم
عليهم بلاغ لقوم عابدين، وإعلام لهم بإثرتهم عنده ومكانتهم لديه، وإعلام منه
لعباده أن القرآن أنزله بعلمه الغيب لا إله إلا هو.
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ ...(109) . أي: أعلمتكم وأسمعتكم (عَلَى سَوَاءٍ)
أي: إسماعًا عامًا كما قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) . وانتظم هذا الخطاب بأول السورة قوله:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ
مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) . المعنى إلى آخره، وهذا المعنى
الذي هو الذكر مستصحب إلى آخر السورة.
أتبع ذلك ما هو منتظم به وموصل له قوله: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ ...(111) . يعني: الذكر