قال الزَّجاج: الأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ -: «نَحْنُ معاشِرَ الأنبياءِ - لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صدقةٌ» ولأنه يبعدُ أن يشفق زكريَّا - وهو نبيٌّ من الأنبياء - أن يرث بنُو عمِّه مالهُ.
والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمِّه دين الله، وتغيير أحكامه على ما كان شاهدُه من بني إسرائيل من تبديل الدِّين، وقتل من قُتل من الأنبياء، فسأل ربَّه وليًّا صالحاً يأمنُه على أمَّته، ويرثُ نُبوَّته وعلمه؛ لئلاَّ يضيع الدِّين.
{يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) }
في الكلام اختصار، تقديره: استجاب الله دعاءهُ، فقال: {يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} : بولدٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كان دعاؤهُ بإذنٍ، فما معنى البشارة؟
وإن كان بغير إذنٍ؛ فلماذا أقدم عليه؟
فالجَوابُ: يجوز أن يسأل بغير إذن، ويحتمل أنَّه أذن له فيه، ولم يعلمْ وقته، فبُشِّر به.
قوله: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً}
قال ابن عبَّاس: الحكم: النُّبوة «صَبِيًّا» وهو ابن ثلاث سنين وقيل: الحكمُ فهم الكتاب، فقرأ التوراة وهو صغيرٌ.
وقيل: هو العَقْل، وهو قولُ مُعَمَّر.
وروي أنه قال: ما للَّعبِ خُلِقْنا.
والأوَّل أولى؛ لأنَّ الله تعالى أحكم عقلهُ في صباه، وأوحى إليه، فإنَّ الله تعالى بعث عيسى ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وهما صبيَّانِ، لا كما بعض موسى ومحمَّداً - عليهما الصلاة والسلام - وقد بلغا الأشُدَّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يعقلُ حصولُ العقل والفطنة والنُّبُوَّة حال الصِّبَا؟
فالجَوابُ: هذا السَّائِلُ إمَّا أن يمنع خرق العاداتِ، أو لا يمنع منه، فإن منع منه، فقد سدَّ باب النبوات؛ لأنَّ الأمر فيها على المعجزات، ولا معنى لها إلا خرق العاداتِ، وإن لم يمنع منه، فقد زال هذا الاستبعادُ؛ فإنَّه ليس استبعاد صيرورةِ الصَّبيِّ عاقلاً أشدَّ من استبعاد انشقاقِ القمر، وانفلاق البحر.