وهذا دليل انسجام العبد المؤمن مع الكَوْن من حوله ، فالكون ساجد لله مُسبِّح لله طائع لله يحب الطائعين وينُبو بالعاصين ويكرههم ويلعنهم ؛ لذلك العرب تقول: (نَبَا به المكان) أي: كرهه لأنه غير منسجم معه ، فالمكان طائع وهو عاصٍ ، والمكان مُسبِّح وهو غافل .
وعلى هذا الفهم فقوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ . .} [الكهف: 77] قول على حقيقته .
إذن: فهذه المخلوقات لها إحساس ولها بكاء ، وتحزن لفقد الأحبة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث".
ورُوِي في السيرة حنين الجذع إلى رسول الله ، وتسبيح الحصى في يده صلى الله عليه وسلم . وسبق أن أوضحنا هذه المسألة فقلنا: لا ينبغي أن نقول: سَبَّح الحصى في يد رسول الله ؛ لأن الحصى يُسبِّح أيضاً في يد أبي جهل ، لكن نقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصى في يديه .
ولا غرابة أن يعطينا القرآن أمثلة لكلام هذه الأشياء ، فقد رأينا العلماء في العصر الحديث يبحثون في لغة للأسماك ، ولغة للطير ، ولغة للوطاويط التي أخذوا منها فكرة الرادار ، بل وتوصلوا إلى أن الحيوان يستشعر بوقوع الزلزال وخاصة الحمار ، وأنها تفرّ من المكان قبل وقوع الزلزال مباشرة . إذن: فلهم وسائل إدراك ، ولهم لغة يتفاهمون بها ، ولهم منطق يعبرون به .
ثم يقول الحق سبحانه عن فِعْل الخضر مع الجدار الذي قارب أن ينقض {فَأَقَامَهُ . .} [الكهف: 77] أي: أصلحه ورمَّمه {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً . .} [الكهف: 77]
هذا قول موسى عليه السلام لما رأى لُؤْمَ القوم وخِسّتهم ، فقد طلبنا منهم الطعام فلم يُطْعمونا ، بل لم يقدموا لنا مجرد المأوى ، فكيف نعمل لهم مثل هذا العمل دون أجرة؟
وجاء هذا القول من موسى عليه السلام لأنه لا يعلم الحكمة من وراء هذا العمل .