وَإِنْ تَدْعُهُمْ أيها الرسول الكريم إِلَى الْهُدى والرشد فلن، يستجيبوا لك، ولن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، بسبب زيغ قلوبهم، واستيلاء الكفر والجحود والعناد عليها.
والضمير في قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ يعود إلى الآيات، وتذكيره وإفراده باعتبار المعنى، إذ المراد منها القرآن الكريم.
وجاءت الضمائر في أول الآية بالإفراد، كما في قوله، ذُكِّرَ وفَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ باعتبار لفظ «من» في قوله «ومن أظلم» وجاءت بعد ذلك بالجمع كما في قوله سبحانه -: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً .. باعتبار المعنى.
وهذا الأسلوب كثير في القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى -: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً، قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً.
فالضمير في قوله: «يؤمن ويعمل ويدخله» جاء بصيغة الإفراد باعتبار لفظ «من» ، وفي قوله: خالِدِينَ فِيها جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى «من» .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته، وعظيم فضله فقال: وَرَبُّكَ
الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا.
أي: وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء. لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصي، لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام، ولكنه - سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما.
وجملة «بل لهم موعد .. » معطوفه على مقدر، فكأنه - سبحانه - قال: لكنه - سبحانه - لم يؤاخذهم، بل جعل وقتا معينا لعذابهم، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا.
أي ملجأ يلتجئون إليه، أو مكانا يعتصمون به.
فالموئل: اسم مكان. يقال: وأل فلان إلى مكان كذا يئل وألا .. إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع.