قوله تعالى: (صَرَّفْنَا) يعني نوعنا، تصريف الشيء يعني تنويعه كما قال تعالى: (وتصريف الرياح) (البقرة: 164) ، أي تنويعها من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، إذاً (صَرَّفْنَا) أي نوعنا في هذا القرآن من كل مثل، وهكذا الواقع. فكلام الله صدق، أمثال القرآن تجدها متنوعة فتارة لإثبات البعث، وتارة لإثبات وحدانية الله، وتارة لبيان حال الدنيا، وتارة لبيان حال الآخرة، وتارة تكون مطولة، وتارة مختصرة، فهي أنواع. كل نوع في مكانه من البلاغة والفصاحة.
(مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي من كل جنس وصنف، فهذا مثل لكذا وهذا مثل لكذا، لماذا؟
الجواب: من أجل أن يتذكر الناس ويتعظوا ويعقلوها. ولكن يوجد من الناس من لا يتعظ بهذه المثل، بل على العكس، ولهذا قال: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) ، قوله: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ) ، بعض المفسرين يقول: (َ الْأِنْسَانُ) يعني الكافر، ولكن في هذا نظر؛ لأنه لا دليل على تخصيصه بالكافر، بل نقول (الْأِنْسَانُ) من حيث الإنسانية.
(شَيْءٍ جَدَلاً) يعني أكثر ما عنده، ولكن من حيث الإيمان فالمؤمن لا يكون مجادلاً، بل يكون مستسلماً للحق ولا يجادل فيه، ولهذا قال عبد الله بن مسعود:"ما أوتي قوم الجدل إلاَّ ضلوا"وتدبر حال الصحابة رضي الله عنهم تجد أنهم مستسلمون غاية الاستسلام لما
جاءت به الشريعة، ولا يجادلون ولا يقولون لم؟ ولما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم"هل قال الصحابة"لِمَ"؟ بل قالوا سمعنا وأطعنا، ما جادلوا، وكذلك في بقية الأوامر، لكن الإنسان من حيث هو إنسان أكثر شيء عنده الجدل. إذاً إذا مر بك مثل هذا في القرآن الكريم (الْأِنْسَانُ) فلا تحمله على الكافر إلا إذا كان السياق يُعَيِّنُ ذلك، فإذا كان السياق يراد به ذلك، صار هذا عاماً يراد به الخاص، لكن إذا لم يكن في السياق ما يعين ذلك فاجعله للعموم، اجعله إنساناً بوصف الإنسانية، والإنسانية إذا غلب عليها الإيمان اضمحل مقتضاها المخالف للفطرة.