فالاستثناء مفرّغ من أعمّ العام ، وقد تقدّم تفسير هذا {ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} أي: ليزيلوا بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه وأصل الدحض: الزلق يقال: دحضت رجله ، أي: زلقت تدحض دحضاً ، ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت ، ودحضت حجته دحوضاً.
بطلت ، ومن ذلك قول طرفة:
أبا منذر رمت الوفاء فهبته... وحدت كما حاد البعير عن الدحض
ومن مجادلة هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} [الشعراء: 154] .
ونحو ذلك: {واتخذوا ءاياتى} أي: القرآن {وَمَا أُنْذِرُواْ} به من الوعيد والتهديد {هزؤا} أي: لعباً وباطلاً ، وقد تقدّم هذا في البقرة.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها وأعرض عن قبولها ، ولم يتدبرها حقّ التدبر ويتفكر فيها حق التفكر {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من الكفر والمعاصي ، فلم يتب عنها.
قيل: والنسيان هنا بمعنى الترك ، وقيل: هو على حقيقته {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي: أغطية ، والأكنة: جمع كنان ، والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم.
قال الزجاج: أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع على قلوبهم {وفي آذنهم وقرا} أي: وجعلنا في آذانهم ثقلاً يمنع من استماعه ، وقد تقدّم تفسير هذا في الأنعام {وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً} لأن الله قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم.