، وبان من الآية السابقة أن إبليس من الجن، كما بان من آية أخرى أنه خلق من نار، وخلق آدم من طين، كما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص 38/ 76] .
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر.
كانَ مِنَ الْجِنِّ أي أن سبب عصيانه أنه كان من عنصر الجن، فلم يعمل مثل ما عملوا، لذا قال:
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من أكمامها أو قشرها، ودل هذا على أن فسقه بسبب كونه من الجن أي الشياطين، وشأن الجن التمرد والعصيان، لخبث ذواتهم. والخلاصة: أن قوله تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِّ كلام مستأنف
جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين. وقوله: فَفَسَقَ ..
الفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه لأنه لو كان ملكا لم يفسق عن أمر ربه لأن الملائكة معصومون، على عكس الجن والإنس.
وأما ما ذكر في آية أخرى أنه من الملائكة، فلا يعارض هذه الآية لأنه قد يطلق على الملائكة أنهم جن لاستتارهم عن أعين الناس.
ثم عقب الله تعالى على القصة بقوله:
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟ أي أنه تعالى يعجب ممن يطيع إبليس وجنده في الكفر والمعاصي، ويحذر من اتباعه بعد ما عرف موقفه من أبيهم آدم، ويوبخ ويقرع من اتّبعه وأطاعه، متخذا له ولجنده ونسله نصراء من دون الله، وبدلا عنه، لذا قال:
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي بئس البدل للكافرين الظالمين أنفسهم وهو اتخاذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، وهو المنعم عليهم.
ومما يدل على أن إبليس ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلا في هذه الآية، والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل، فوجب ألا يكون إبليس من الملائكة.
ثم سلب الله تعالى الولاية عمن دونه من الشركاء والأبالسة، فقال: