{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} في هذه الآية وجوه من المعاني . منها أن المعنى لا تقولن إلا وقت أن يشاء الله بأن يأذن لك في القول ، فتكون قائلاً بمشيئته ، فالمشيئة على هذا بمعنى الإذن . لأن وقت مشيئة الله لشيء لا تعلم إلا بإذنه فيه أي: إعلامه به . ومنها لا تقولن لما عزمت عليه من فعل ، إني فاعل ذلك غداً إلا قائلاً معه إن شاء الله تبرؤاً من لزوم التحكم على الله ، ومن الفعل بإرادتك بل بإرادة الله ، فتكون فاعلاً بمشيئته . ولئلا يلزم الكذب لو لم يشأه الله تعالى . ومنها أن المعنى لا تقولن ذلك قاطعا بفعله وباتاً له . لأنه: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً} [لقمان: 34] ، فلا ينبغي الجزم والبت على فعل أمر مستقبل مجهول كونه .
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي: أن تقول ذلك القول البات نسياناً فحينئذ ارجع إلى ربك بذكره . ولذا قال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} وعلى هذه الوجوه كلها فـ: {لا تَقُولَنَّ} نهي معطوف على النهيين قبله . قال الجاحظ في كتاب"الحيوان": إنما ألزم جل وعلا عبده أن يقول: إن شاء الله ، ليبقي عادة للمتألي ، ولئلا يكون كلامه ولفظه يشبه لفظ المستبد والمستغني ، وعلى أن يكون عبده ذاكراً لله . لأنه عبد مدبَّر ، ومقلَّب ميسَّر , ومصرَّف مسخَّر .
وبقي وجه آخر: وهو أن المعنى لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول . والجملة خبرية قصد بها الإخبار عن سبق مشيئته تعالى لكل ما يعزم عليه ويقوله . كقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] وهذا المعنى هو الظاهر ببادئ الرأي كما قاله في"الانتصاف"وفي المعنى تلويح بأنه صلوات الله عليه كان همّ بأمر ما في نبأ هؤلاء الفتية ، وعزم على أمر في غد المحاورة به .