وقال القاسم: رأيت سعيد بن جبير أقام ليله يصلي يقرأ {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} فرددها بضعاً وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش.
وقال الحسن: يا ابن آدم: كيف يرق قلبك وإنما همك في آخر سورتك.
وقال بعضهم: بعثتني أسماء إلى السوق، فافتتحت سورة «والطور» ، وانتهيت إلى قوله عز وجل: {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} فذهبت ورجعت وهي تكرر هذه الآية.
وقال رجل من قيس يكنى أبا عبد الله: بينا ذات ليلة عند الحسن، فقام من الليل يصلي فلم يزل يردد هذه الآية حتى أسحر: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} .
فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليلة، قال: إن فيها معتبراً ما يرفع طرفاً ولا يرده إلا وقع على نعمة، وما لا يعلم من نعم الله أكثر.
وقال أبو سليمان: ما رأيت أحداً، الخوف على وجهه والخشوع، من الحسن بن جبير قام ليلة حتى الصباح بـ {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} يرددها ثم غشي عليه، ثم عاد، فغشي عليه، فلم يختمها حتى طلع الفجر.
وأما البكاء فقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - كان يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرجل من البكاء» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «أن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» .
وأن أبا بكر رضي الله عنه عنه ابتنى بيتاً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينعصف عليه فيبكي المشركين، وأبناؤهم معجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعة إذا قرأ القرآن.
وكان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس فبكى في قراءته حتى انقطعت قراءته، وسمع نحيبه من وراء ثلاثة صفوف.
وقرأ ابن عمر رضي الله عنه: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فلما أتى على هذه الآية {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} بكى حتى انقطع عن قراءة ما بعدها.
وقال ابن مليكة: كان ابن عباس يقيم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفاً حرفاً، ثم جلى قراءته: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} قال: ثم يبكي حتى يسمع له مسحاً.
وجاء أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - مر بشاب يقرأ: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} فوقف، فاقشعر وخنقته العبرة، فجعل يبكي ويقول: ويحي من يوم تنشق فيه السماء.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «مثلها يا فتى مثلها يا فتى» .