وعن حمران بن أعين أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قرأ هذه الآية: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} فصعق.
وأما افتتاح القراءة بالاستعاذة فلأن الله - عز وجل - يقول: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} وظاهرهما وإن كان أمراً بالاستعاذة بعد القراءة، فالمعنى إذا أردت القراءة، كما قال عز وجل: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} .
وهو يريد إذا أردتم القيام إلى الصلاة، ويدل على ذلك أنه تعالى أخبر في آية أخرى أن الشيطان يعارض القارئ في حال قراءته، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى} {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} .
وقال: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
فعلمنا أنه أراد بالاستعاذة للقراءة، أن يستعيذ قبلها قياس من معارضة الشيطان لا أن يستعيذ بعد انقضاء القراءة.
وأيضاً فإن الاستعاذة قبل القراءة أرغب لا حول القراءة من الاستعاذة بعدها، وإنها تدفع كيد الشيطان في التبسط عن القراءة، ومعارضته عند القراءة، ووسوسته بعد القراءة، والاستعاذة بعد الفراغ لا تدفع كيده إلا في ذلك الوقت، فكانت أجمعها للأحوال من المقتصدة على إحديهما والله أعلم.
وأما قطع القراءة بالحمد والتصديق، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، والشهادة له بالتبليغ، فإنه عمل المسلمين.
وقد أخبر الله عز وجل: إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} .
وهم لا يشكون، قبل أن يردوا الجنة، أن خبر الله تعالى صدق، وإنما خبره القرآن، فينبغي لمن قرأه أن يحمد الله تعالى على ما أنعم عليه منه، وعرفه من ثناء النعم الجليلة التي تقدم عليهما.
إذا أصلح وأحسن لئلا يبخس نفسه حظها بإيثار الفاني على الباقي، ويشهد له عز اسمه بالصدق في أخباره، ويقرن ذلك بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - .
إذ كان الوقوف على القراءة والوصول إليها من قبله، ويشهد بالتبليغ إذ كان الله تعالى أمره به ففعله، ولم يكتم شيئاً، وكانت الشهادة له بذلك من حقه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم - في بعض خطبه: «ألا هل بلغت: فقالوا اللهم نعم» وكذلك فليقولوا عند كل ختم وقطع.