الأولى من التَّقْوَى ولا شك في تحقق فرط الصيانة في هذه المرتبة الأولى التي هي الإيمان
إذ ما يضر في الْآخرَة فرده الأكمل هُوَ العذاب المخلد فيراد به هذا الفرد الكامل سواء كان
تحقق ما يضر في الْآخرَة سوى هذا الفرد الكامل أولا فلا إشكال بأن الْمَعْنَى اللغوي معتبر
في الْمَعْنَى الشرعي ففرط الصيانة غير متحقق في المرتبة الأولى؛ إذ فرط الصيانة عَمَّا يضر
في الْآخرَة أن لا يحوم حول ما يمضي إليه أصلًا مخلدا أو غير مخلد.
قوله: (والثانية والتجنب عن كل ما يؤثم) التجنب الترك والاحتراز وأصله الأخذ في
جانب غير الجانب الذي هُوَ فيه فهو ملزوم للترك فأريد به مَجَازًا ثم صار حَقيقَة عرفية يؤثم
تفعيل من الإثم. وقيل من الإيثام أي يوقع الإثم عمدًا (من فعل) كالسرقة مثلًا (أو ترك) كترك
الصلاة والتركيب من قبيل (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) إذ حاصل الْمَعْنَى أن
لا يقع فيما يؤثم من فعل أو ترك فيفيد الاسْتغْرَاق (حتى الصغائر عند قوم) فعلًا كانت أو تركا
عطف عَلَى قوله كل ما يؤثم؛ إذ الصغائر أفراد ضعيفة من متبوعها متمسكين بما روي عن النبي
عليه السَّلام لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس فيه حذرًا مما به بأس وفي
كلامه إشَارَة إلَى أن الْمُخْتَار أن اجتنابها لَيسَ بمعتبر في التَّقْوَى؛ إذ الْأَنْبيَاء عليهم السلام غير
معصومين عنها سوى ما يدل عَلَى الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة عند الْجُمْهُور مع أنهم أئمة
المتقين الْحَديث الشريف محمول عَلَى الزجر وبيان أن الاحتراز عنها أولى ونظائره كثيرة في
الْإخْبَار والآيات ولا يقال والْحَديث يحمل عَلَى تقدير صحته عَلَى المرتبة الثالثة لأن الْأَنْبيَاء
عليهم السلام في المرتبة الثالثة هذا عَلَى تقدير كون الكبائر متعينة كما ورد من أنها سبع أو تسع
أو غير ذلك، وأما عَلَى ما قيل من أن صغر الذنوب وكبرها بالْإضَافَة إلَى ما فوقها وما تحتها كما
نقله المصنف في سورة النساء في قَوْله تَعَالَى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)
الآية. فلا بد أن يجتنب عن الآثام كلها سوى حديث النفس فإن كل الآثام عَلَى هذا التقدير كثيرة
باعْتبَار النظر إلَى ما تحتها وحديث النفس صغيرة فقط لكن الْقَوْل الأول هُوَ المعتمد المعول
عليه وبعضهم. نقل عن أهل الْحَديث وكثير من أهل السنة أن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر كما
هو رأي المعتزلة فإن تم ذلك فالأمر ظَاهر لكن ما رأيناه في الكتب الْكَلَامية والثابت فيها أن
ذلك مذهب المعتزلة وقول علمائنا ويجوز العقاب عَلَى الصغائر ولو مع اجتناب الكبائر يدل
على خلاف ما نقله البعض.
قوله: (وهو المُتَعَارَف باسم التَّقْوَى في الشرع) أي المُتَعَارَف في عرف الشرع لا
يصار في عرفه إلَى غيره إلا عند قرينة عَلَى خلافه فـ [حِينَئِذٍ] يراد في عرفه الْمَعْنَى الأول أو الْمَعْنَى
الثالث كما سيجيء (والْمَعْنَى) أي الْمُرَاد اسم مَفْعُول من غنى يعني أصله معنوي فاعل
فصار معني كمرميّ (بقَوْلُه تَعَالَى:(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا)
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وهو الْمَعْنَى بقوله تَعَالَى (ولو أن أهل الْكتَاب آمنوا واتقوا) فإن عطف
واتقوا عَلَى آمنوا يؤذن بأن الْمُرَاد بالتَّقْوَى فيه الإتيان بالْأَعْمَال الصالحة والتجنب عن المعاصي.