قوله: (والمتقي اسم فاعل) تمهيد لقوله (من قولهم وقاه) أَشَارَ إلَى أن فاءه واو
فتعرض لبيان ثلاثيه مع أنه غير مُتَعَارَف قال في الصحاح اتقى أصله أوتقى فقلبت الواو ياء
لانكسار ما قبلها وأبدلت منها التاء فأدغمت فلما كثر اسْتعْمَاله عَلَى لفظ الافتعال توهموا أن
التاء من نفس الكلمة فأزال هذا الوهم بقوله (فاتقى) ونبه عَلَى أن فاءه لَيسَ بتاء بل واو
وَأَيْضًا إشَارَة إلَى أن اتقى مطاوع وقاه ويتعدى إلَى المَفْعُولَيْن قال الله تَعَالَى:(فوقاه الله
سيئات ما مكروا)الآية. فيتعدى اتقى إلَى مَفْعُول واحد قال تَعَالَى:(فاتقوا
النَّار التي وقودها النَّاس)الآية. ولَيسَ كون المطاوع لازمًا شرطًا؛ إذ معنى
المطاوعة قبول الأثر سواء كان متعديًا أو لازما فبين اللازم والمطاوع عموم وخصوص من
وجه اجتمعا في نحو الانكسار ويتحقق اللازم في نحو ذهب دون المطاوع وبالعكس في
نحو اتقى والمطاوع بكسر الواو في الْحَقيقَة هُوَ الْمَفْعُول به الذي صار فاعلا لكنهم سموا
فعله المسند إليه كالانكسار المسند إلَى الزجاج الذي هُوَ المطاوع حَقيقَة مطاوعا مجازا
(والوقاية فرط الصيانة وهو في عرف الشرع) .
قوله: (اسم لمن يقي نفسه عَمَّا يضره في الْآخرَة) الأولى وصف لمن يقي نفسه
مَفْعُول أول له وقوله عَمَّا يضره مَفْعُول ثان له وتعديته بـ (عن) لتضمينه معنى التبعيد ولا يبعد
أن يكون إشَارَة إلَى أن تعديته بنفسه إلَى الْمَفْعُول الثاني من قبيل الحذف والإيصال؛ إذ أصل
معناه الحفظ والصيانة كما ثبت في كتب اللغة وهما يتعديان إلَى الْمَفْعُول الثاني بحرف
الجر نحو من وعن وهذا هُوَ التحقيق وما ذكر أولًا مبني عَلَى الظَّاهر قوله يقي في بعض
النسخ يتقي عَمَّا كما اختاره بعض المحشيين لكن مع قوله نفسه والْمَشْهُور بإسقاط لفظ
نفسه. وأشار بقوله في عرف الشرع إلَى أنه من قبيل نقل العام إلَى الخاص كالصلاة والزكاة.
قوله: (وله) أي الاتقاء المدلول عليه بالمتقي (ثلاث مراتب) فالاتقاء مشترك بينها
اشتراكًا معنويًا، ولما كان لها تفاوت عشر بمراتب دون الأنواع، وَأَيْضًا المرتبة الأولى متحققة
في الأخيرين كما أن الثانية توجد في المرتبة الثالثة فلا يناسب التَّعْبير بالنوع والقسم إذ
الظَّاهر التباين الكلي (الأولى التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه) أي أورد
عليه (قَوْلُه تَعَالَى:(وألزمهم كلمة التَّقْوَى) أي كلمة الشَّهَادَة والتوحيد التي
بها يحصل التوقي عن العذاب المخلد أو الْمُرَاد بسم الله الرحمن الرحيم أو الوفاء بالعهود
والْمَعْنَى الأول هُوَ الأوفق لغرض المصنف والْإضَافَة إما لكونها سببًا للتقوى أي الوقاية من
النَّار أو لكونها لأجل التَّقْوَى فعلى الأول الْإضَافَة الأمية حَقيقَة لكونها من إضافة السبب إلَى
المسبب وعلى الثاني الْإضَافَة لأدنى ملابسة مجازية وجه إرادة المرتبة الأولى في هذه الآية.
هو أن الظَّاهر منها كلمة الشَّهَادَة وإما عَلَى المَعْنَيَيْن الأخيرين فلا يظهر كونها من المرتبة
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وعليه قوله تَعَالَى: (وألزمهم كلمة التَّقْوَى) فإن الْمُرَاد بها كلمة
التوحيد وهي كلمة لَا إلَهَ إلَّا الله.