لاختلال مزاجه فعلم من ذلك التقريران قوله لأن الغذاء لتعليل لما تضمنه قوله أو لأنه لا
ينتفع الخ. وهو أن الانتفاع بهذا الْكتَاب يتوقف عَلَى الاتصاف بالمرتبة الأولى من التَّقْوَى
وإلا فلا ينفع بل يضر نظيره في المشاهد الغذاء الخ. فأوضح روح الله روحه المعقول
بالمحسوس ولله دره.
قوله: (وعلى هذا) ورد (قَوْلُه تَعَالَى:(وَنُنَزّلُ منَ الْقُرْآن مَا هُوَ شفَاء وَرَحْمَة
للْمُؤْمنينَ)ما هُوَ في استصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمريض لكن
لا للكل بل لمن له استعداد لذلك وهم الْمُؤْمنُونَ ومن للبيان فإن كل الْقُرْآن كَذَلكَ وكونه
للتبعيض لا يلائم غرض المصنف وهذا ناظر إلَى قَوْله ينتفع به من صقل العقل (وقَوْلُه تَعَالَى:
(ولا يزيد الظَّالمينَ) أي الْكَافرينَ (إلا خسارا)
لتَكْذيبهم وكفرهم يثبت قوله لا ينتفع به من كان في طبعه شقاوة وإصرار عَلَى التَّكْذيب
فالآية الكريمة تدل عَلَى شفي ما ادعاه لكن في النظم الجليل عبر بالشفاء بالنسبة إلَى
الْمُسْلمينَ والمص عبر بالغذاء لما ذكرنا في وجه اختياره فلا يضر ذلك إثبات ما ادعاه إذ
الغذاء من قبيل الشفاء والدواء مع زيادة المنافع الكثيرة لمن له صحة.
قوله: (لما لم ينفك) أي لعدم انفكاكه (عن بيان تعين الْمُرَاد) والمعين إما العقل
أو السمع هذا مذهب الشَّافعي فإنهم قائلون بأن المُتَشَابهَات يعلمها الراسخون في العلم ولا
يلزم عندهم الوقف عَلَى قَوْلُه تَعَالَى: (إلا الله) في قَوْله تَعَالَى:(وما يعلم
تأويله إلا الله)فإذا وجد البيان الحق بالْكتَاب فيكون هدى فقول من قال
إذا بين ذلك الْمُرَاد منه لم يكن هدى في نفسه، وإنَّمَا يكون كَذَلكَ لو أفاد ابتداء ما يفيده
الْكتَاب ضعيف جدًا بل مخالف لما في الأصول، وأما عند الْحَنَفيَّة فلا يعلمها إلا الله تَعَالَى
والوقف الْمَذْكُور عندهم ولو في النية لازم فتوجيه الهداية أنها تهدي إلَى أن اللَّه تَعَالَى
أسرارًا يستد بها ولا يعرفها أحد وهذا مما يجب الاعتقاد به فالآية. المتشابهة تهدي إلَى ذلك
وقد مَرَّ في أوائل السور ما يتعلق به فارجع إليه، وأما الْقَوْل بأن هذا التوجيه غير صواب لأن
ذلك الإيذان لَيسَ من قبيل الهدى فبناء عَلَى الحرمان من الهدى. وأُجيب أَيْضًا بأن كونه
هدى يكفي فيه أنه هدى في بيان الشرائع وتأييد لما في العقول ولا يلزم أن يكون هدى كله
ولا يخفى عليك أن كونه كَذَلكَ وإن سلم لكن لا حاجة إليه هنا لتحقق كونه هدى لما
ذكرنا، وأما المجمل فلا خفاء في عدم انفكاكه عن بيان تعيين الْمُرَاد بل لو لم يتعرض له
واكتفى بالمتشابه لكان أسلم وأظهر.