وَمِنْ عَجِيبِ الْفِرَاسَةِ مَا ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ لَهُ يَتَنَزَّهُ فِيهِ، إذْ رَأَى سَائِلًا فِي ثَوْبٍ خَلِقٍ، فَوَضَعَ دَجَاجَةً فِي رَغِيفٍ وَحَلْوَى وَأَمَرَ بَعْضَ الْغِلْمَانِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَهَشَّ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: جِئْنِي بِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ قُدَّامَهُ اسْتَنْطَقَهُ، فَأَحْسَنَ الْجَوَابَ، وَلَمْ يَضْطَرِبْ مِنْ هَيْبَتِهِ، فَقَالَ: هَاتِ الْكُتُبَ الَّتِي مَعَك، وَاصْدُقْنِي مَنْ بَعَثَك، فَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّك صَاحِبُ خَبَرٍ. وَأَحْضَرَ السِّيَاطَ، فَاعْتَرَفَ، فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: هَذَا وَاللَّهِ السِّحْرُ، قَالَ: مَا هُوَ بِسِحْرٍ، وَلَكِنْ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ، رَأَيْت سُوءَ حَالِهِ، فَوَجَّهْت إلَيْهِ بِطَعَامٍ يَشْرَهُ إلَى أَكْلِهِ الشَّبْعَانُ، فَمَا هَشَّ لَهُ، وَلَا مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ، فَأَحْضَرْته فَتَلَقَّانِي بِقُوَّةِ جَأْشٍ، فَلَمَّا رَأَيْت رَثَاثَةَ حَالِهِ، وَقُوَّةَ جَأْشِهِ، عَلِمْت أَنَّهُ صَاحِبُ خَبَرٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
وَرَأَى يَوْمًا حَمَّالًا يَحْمِلُ صِنًّا وَهُوَ يَضْطَرِبُ تَحْتَهُ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الِاضْطِرَابُ مِنْ ثِقَلِ الْمَحْمُولِ لَغَاصَتْ عُنُقُ الْحَمَّالِ، وَأَنَا أَرَى عُنُقَهُ بَارِزَةً، وَمَا أَرَى هَذَا الْأَمْرَ إلَّا مِنْ خَوْفٍ، فَأَمَرَ بِحَطِّ الصِّنِّ، فَإِذَا فِيهِ جَارِيَةٌ قَدْ قُتِلَتْ وَقُطِّعَتْ، فَقَالَ: اصْدُقْنِي عَنْ حَالِهَا، فَقَالَ: أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فِي الدَّارِ الْفُلَانِيَّةِ أَعْطَوْنِي هَذِهِ الدَّنَانِيرَ، وَأَمَرُونِي بِحَمْلِ هَذِهِ الْمَقْتُولَةِ. فَضَرَبَهُ وَقَتَلَ الْأَرْبَعَةَ.
وَكَانَ يَتَنَكَّرُ وَيَطُوفُ بِالْبَلَدِ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْأَئِمَّةِ فَدَعَا ثِقَتَهُ، وَقَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ، وَأَعْطِهَا إمَامَ مَسْجِدِ كَذَا، فَإِنَّهُ فَقِيرٌ مَشْغُولُ الْقَلْبِ.