وقوله تعالى:"الظالمين"؛ أيْ: ظلموا أنفسهم بالسَّفَه والغيِّ والتقليد الأعمى، والانْسلاخ من آيات الله ونِعَمِه، فعَمُوا وصمُّوا، وساروا في طريق الظُّلمات التقليديَّة على عمًى وجهالات، وظنونٍ لا تُغْنِي من الحقِّ شيئًا، فكفَرُوا بالله واتَّخذوا من دونه الأنداد من هذه الأشجارِ التي خلق ربُّهم لها الأرض مهيَّأة لتُرْبتها، وأعطاهم بَذْرتَه وعلَّمهم زرْعَها وسقْيَها، فزرَعوها بأيديهم وسَقوها، حتى صارت أيكة عظيمة، ثم نسوا كلَّ ذلك فعموا وصمُّوا واتَّخذوها آلهة يقدِّسونها، ويلتمسون منها البركات، ويخافون بَطْشَها بِمَن يأخذ منها مسمارًا أو غصنًا، وهم يرَوْن ويحسُّون بكلِّ حواسِّهم البهيميَّة أنَّها شجرة من الشجر، خلقها الله لهم لِيَنتفعوا بظِلِّها وثَمرِها، ثم بخشبها وحطبها، ولكنَّهم لا يعقلون، وما ظلَمَهم الله شيئًا ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون، فلا يال عندهم من السمع والبصر والعقل ما لو وجهوه في التفكر والتأمل، لانتفعوا به وكانوا من المهتدين.
ولَمَّا غلبت عليهم هذه الغفلات، وضربَتْ على قلوبهم حجُبُ هذه العمايات، وغرقوا في بحورٍ من ظلمات هذه الظُّنون الكاذبة والأهواء الخاسرة، خرجَتْ بِهم إلى عمًى جديد عن نِعَمِ الله ورَحْمتِه، وفضله الواسع وبليغ حكمته، فذهبوا يظلمون أنفسهم أشدَّ الظُّلم بالبغي على الأعراض والأموال، يرجون من ذلك - بعمى بصائرهم وسفههم - مُتَعَ الحياة وراحتَها، فما يجدون منها إلا الشَّقاء تِلْوَ الشَّقاء، والنَّكد يَلِدُ لهم جديدًا من النَّكد، فكل حياتهم خوفٌ وهلع، وفي كلِّ قلب واحدٍ منهم عداءٌ وخوف، وفي كلِّ ضميرٍ رِيبةٌ وشَكٌّ، لا فرق بين الابن والأب والأخ والزَّوج، في قلب كلٍّ منهم: ما ينكِّد الحياة من العداء والبغضاء، والحقد والحسد حتى لا يُخالطه ولا يعاشره إلاَّ على وجَلٍ وسوءِ ظنٍّ وتُهمة وجزع، فيزدادون انغماسًا في بحر الفسوق والعصيان؛ مُحاوَلة أن ينسوا ما هُم فيه من الأنكاد والتنغُّص، فلا يزيدهم ذلك إلا عذابًا ونكالاً، وما ربُّك بظلاَّمٍ للعبيد.