لأنه سبحانه شاء أنْ يحميَ الكون ؛ لكي يستمتع كُلّ فَرْد بحسنات المُسيء ، لأنك لو علمتَ سيئاته قد تبصُق عليه ؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يستر المُسيء ، ويُظهِر حسناته فقط .
وقد قال لوط لقومه بعد أن نهاهم عن الاقتراب الشائن من ضيوفه:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) }
أي: ضَعوا بينكم وبين عقاب الحق لكم وقاية ؛ ولا تكونوا سبباً في إحساسي بالخِزي والعار أمام ضيوفي بسبب ما تَرغبُون فيه من الفاحشة .
والاتقاء من الوقاية ، والوقاية هي الاحتراس والبعد من الشر ، لذلك يقول الحق سبحانه: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة} [التحريم: 6] .
أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية ، واحترسوا من أن تقعوا فيها ، بالابتعاد عن المحظورات ، فإن فِعْل المحذور طريق إلى النار ، والابتعاد عنه وقاية منها ، ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم والقرآن كله كلام الله .
يقول: {واتقوا الله} [البقرة: 194] .
ويقول: {واتقوا النار} [آل عمران: 131] .
كيف نأخذ سلوكاً واحداً تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟
والمعنى: لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تُعذَّبوا في النار ، فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي ، وإن فعلتَ المأمورات ، ورضيتَ بالمقدورات ، وابتعدت عن المحذورات ، فقد اتقيت الله .
ولكنهم لم يستجيبوا له ، بدليل أنهم تَمادَوْا في غِيِّهم وقالوا ما أورده الحق سبحانه: {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ ...} .
أي: أَلَمْ نُحذِّرك من قَبْل من ضيافة الشبان الذين يتمَّيزون بالحُسْن ، ولأنك قُمْتَ باستضافة هؤلاء الشبان ؛ فلا بُدَّ لنا من أنْ نفعلَ معهم ما نحب من الفاحشة ، وكانوا يتعرَّضون لكل غريب بالسوء .