وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة ، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعاً منهم ، واقتصروا على قولهم: {ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} بالنبوة ، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما قال تعالى: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .
وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم: إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقاً ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه: عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها.
وأما الشبهة الثالثة: وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية.
فالجواب عنها: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله} وشرح هذا الجواب أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة وبينة قاهرة ودليل تام ، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم فيها لله تعالى فإن خلقها وأظهرها فله الفضل وإن لم يخلقها فله العدل ولا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية.