وقد دلت التجارب أن العضو الذي يناط به عمل، كلما مرن عليه ازداد قوة، وإذا عطل عن العمل ضمر وضعف، وهكذا النعم إن استعملت فيما خلقت له بقيت، وإن أهملت ذهبت.
أخرج البخاري في"تاريخه": والضياء في"المختارة": عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من ألهم خمسة لم يحرم خمسة"وفيها،"من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة".
والخلاصة: أن من شكر الله على ما رزقه .. وسع عليه في رزقه، ومن شكره على ما أقدره عليه من طاعته .. زاد في طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه من صحة .. زاده الله صحة إلى نحو أولئك من النعم. {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ} نعمي وجحدتموها، فلم تقوموا بواجب حقها عليكم من شكر المنعم بها، وقابلتموها بالنسيان والكفران، والجواب محذوف تقديره: لأعذبنكم على ذلك الكفران، ويكون قوله: {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} تعليلًا للجواب المحذوف، وإنما حذف الجواب هنا وصرح به في جانب الوعد؛ لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد، فما ظنك بأكرم الأكرمين حيث لم يقل: إن عذابي لكم؛ أي: إن عذابي لشديد بحرمانكم منها، وسلبكم ثمراتها في الدنيا والآخرة، فتعذبون في الدنيا بزوالها، وفي الآخرة بعذاب لا قبل لكم به. وفي الحديث:"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
8 -ثم بين سبحانه وتعالى أن منافع الشكران ومضار الكفران لا تعود إلا إلى الشاكر أو الكافر بتلك النعم، أما المعبود المشكور فهو متعالٍ عن أن ينتفع بالشكر، أو يضره الكفر، فلا جرم قال: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا} نعمه تعالى ولم تشكروها {أنْتُمْ} يا بني إسرائيل {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} من الثقلين {جَمِيعًا} حال من المعطوف والمعطوف عليه {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى تعليل للجواب المحذوف؛ أي: إن تكفروا لم يرجع وباله إلا عليكم، فإن الله تعالى {لَغَنِيٌّ} عن شكركم وشكر غيركم {حَمِيدٌ} ؛ أي: محمود في ذاته وصفاته وأفعاله لا تفاوت له بإيمان أحد ولا كفره، وإن لم يحمده أحد، بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده.