قلتُ: إنما حذفت الواو في سورة البقرة؛ لأن قوله: {يُذَبِّحُونَ} تفسير لقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، كما تقول: جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم، وأما دخول الواو هنا في هذه السورة؛ فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح كالأعمال الشاقة وبالتذبيح أيضًا، فقوله: {وَيُذَبِّحُونَ} نوع آخر من العذاب، لا أنه تفسير للعذاب.
{وَفِي ذَلِكُمْ} المذكور من أفعالهم الفظيعة {بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} ؛ أي: محنة عظيمة لا تطاق واقعة من ربكم.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يكون فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟
قلتُ: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا بهم ما فعلوا بلاء من الله تعالى واختبار منه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، والمراد بالبلاء حينئذ: النعمة؛ لأن الابتلاء كما يكون بالنقمة يكون بالنعمة، كما قال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}
والمعنى حينئذٍ: وفي ذلكم الإنجاء نعمة عظيمة واقعة لكم من ربكم. وقرأ ابن محيصن: {وَيَذْبَحُونَ} بالتخفيف مضارع ذبح الثلاثي. وقرأ زيد بن علي كذلك إلا أنه حذف الواو.
7 -وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} من كلام موسى معطوف على {نِعْمَةَ اللَّهِ} ؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى لقومه: تذكروا إنعام الله عليكم، واذكروا يا بني إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده إعلامًا بليغًا، فقال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لئن شكرتم ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح بطاعتي فيما آمركم به وأنهاكم عنه .. لأزيدنكم من نعمي عليكم نعمةً إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم. قيل: شكر الموجود صيد المفقود. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب. وأصل الشكر: تصور النعمة وإظهارها، وحقيقته الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة.