والضميران للكفار ؛ والقول الأول أصحها إسناداً ؛ قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص (عن) عبد الله في قوله تعالى: {فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ} قال: عَضُّوا عليها غيظاً ؛ وقال الشاعر:
لو أنّ سَلْمَى أَبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ...
ودِقَّةً في عظمِ ساقي ويَدي
وبُعْدَ أَهْليِ وجَفَاءَ عُوَّدِي ...
عَضّتْ من الْوَجْدِ بأطرافِ اليدِ
وقد مضى هذا المعنى في"آل عمران"مجوّداً ، والحمد لله.
وقال مجاهد وقَتَادة: ردّوا على الرسل قولهم وكذّبوهم بأفواههم ؛ فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار.
وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم ؛ فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل.
وقيل معناه: أَوْمأوا للرسل أن يسكتوا.
وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم.
وقيل: ردّ الرسل أيدي القوم في أفواههم.
وقيل: إن الأيدي هنا النِّعم ؛ أي ردّوا نِعم الرسل بأفواههم ، أي بالنطق والتكذيب ؛ ومجيء الرسل بالشرائع نِعَمٌ ؛ والمعنى: كذّبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل.
و"في"بمعنى الباء ؛ يقال: جلست في البيت وبالبيت ؛ وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض.
وقال أبو عبيدة: هو ضرب مَثَل ؛ أي لم يُؤْمنوا ولم يُجيبوا ؛ والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردّ يده في فيه ؛ وقاله الأخفش أيضاً.
وقال القُتَبيّ: لم نسمع أحداً من العرب يقول: ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به ، وإنما المعنى: عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً ؛ لقول الشاعر:
تَرُدّون في فِيهِ غِشَّ الْحَسُو ...
دِ حتى يَعَضَّ عليّ الأَكُفَّا
يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعضّ على أصابعه وكفّيه.
وقال آخر:
قَد أَفْنَى أنَامِلَهُ أَزْمَةً ...
فأضحَى يَعَضُّ عليَّ الْوَظِيفَا