والثاني: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعاً لهم من الكلام ، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك.
أما على القول الثاني: وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه:
الوجه الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن أسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يداً.
يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفاً ، وقد يذكر اليد.
المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد ، وأيضاً العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي ، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي ، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت ، ونظيره قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور: 15] فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في الأفواه ، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه.
الوجه الثاني: نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله: {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ} أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلاناً في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب ، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال: إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} .