يَقُولُ: حِينَ أَنْجَاكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِ فِرْعَوْنَ وَطَاعَتِهِ {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} : أَيْ يُذِيقُونَكُمْ شَدِيدَ الْعَذَابِ {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} وَأُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} الْخَبَرَ عَنْ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ غَيْرِ التَّذْبِيحِ وَبِالتَّذْبِيحِ، وَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِغَيْرِ الْوَاوِ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} فِي مَوْضِعٍ، وَفِي مَوْضِعٍ: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ} وَلَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: {يُذَبِّحُونَ} وَبِقَوْلِهِ: {يُقَتِّلُونَ} تَبْيِيِنُهُ صِفَاتِ الْعَذَابِ الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ أُرِيدَ تَفْصِيلِهَا فَبِغَيْرِ الْوَاوِ تَفْصِيلِهَا، وَإِذَا أُرِيدَ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ تَفْصِيلِهَا فَالْوَاوُ.
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فِي قَوْلِهِ:" {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : أَيَادِي اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامِهِ"
وَقَوْلُهُ: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
يَقُولُ: وَيُبْقُونَ نِسَاءَكُمْ فَيَتْرُكُونَ قَتَلَهُنَّ، وَذَلِكَ اسْتِحْيَاؤُهُمْ كَانَ إِيَّاهُنَّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمَعْنَاهُ: يَتْرُكُونَهُمْ، وَالْحَيَاةُ: هِيَ التَّرْكُ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» بِمَعْنَى: اسْتَبْقُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ.
{وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}
يَقُولُ تَعَالَى: وَفِيمَا يَصْنَعُ بِكُمْ آلُ فِرْعَوْنَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ بَلَاءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: أَيِ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْبَلَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَعْمَاءَ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي قَدْ يُصِيبُ النَّاسَ فِي الشَّدَائِدِ وَغَيْرِهَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 13/}