يَقُولُ: وَيَلْتَمِسُونَ سَبِيلَ اللَّهِ، وَهِيَ دِينُهُ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ عِوَجًا: تَحْرِيفًا وَتَبْدِيلًا بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ «وَالْعِوَجِ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فِي الدِّينِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا، فَأَمَّا فِي كُلِّ مَا كَانَ قَائِمًا كَالْحَائِطِ وَالرُّمْحِ وَالسِّنِّ فَإِنَّهُ يُقَالُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ جَمِيعًا «عَوَجٌ» . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}
يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، يَقُولُ: هُمْ فِي ذَهَابٍ عَنِ الْحَقِّ بَعِيدٍ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَجَوْرٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ «عَلَى» فِي قَوْلِهِ: {عَلَى الْآخِرَةِ} فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: أَوْصِلِ الْفِعْلَ بِـ «عَلَى» ، كَمَا قِيلَ: ضَرَبُوهُ فِي السَّيْفِ، يُرِيدُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُوصَلُ بِهَا كُلَّهَا وَتُحْذَفُ، نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: نَزَلْتُ زَيْدًا، وَمَرَرْتُ زَيْدًا، يُرِيدُونَ: مَرَرْتُ بِهِ، وَنَزَلْتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَدْخَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَفِي قَوْلِهِ: {يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ «عَلَى»
وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا وَنَظَائِرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ، بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ وَمِنْ قَبْلِ قَوْمِكَ رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهَا وَلُغَتِهِمْ، {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}