ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال: {نَجَّيْنَاكُم ...} [البقرة: 49] .
ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلام ؛ لم يَقًُلْ أنه هو الذي أنجاهم بل يُعدِّد النعم التي مَنَّ الله بها عليهم ؛ ويمتنّ بها عليهم . وعِلَّة ذلك أن العظيم حين يمتنُّ على غيره لا يمتنُّ إلا بالعظائم ، أما دون العظيم فقد يمتنُّ بما دون ذلك .
وأسوق هذا المَثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه ؛ فسبحانه مُنزَّه عن التشبيه ، وأقول: هَبْ أن إنساناً غنياً له أخ رقيق الحال ، وقد يُمد الغنيُّ أخاه الفقير بأشياء كثيرة ، وقد يعتني بأولاده ؛ ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية كاملة . ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ابن الغني: ألم يَأْتِ أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة ، بالإضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟
ولكن العَمَّ الغنيّ يكتفي بأنْ يقول: أنا أسأل عنكم ، بدليل أنِّي أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها . إذن: فالكبير حقاً هو الذي يذكر الأمور الكبيرة ، أما الأقل فهو من يُعدِّد الأشياء .
وهنا يصف الحق سبحانه سوْم العذاب وذَبْح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله تعالى:
{ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6] .
وهكذا نرى مظهرية الخير التي مَنَّ الله بها عليهم ، وهي الإنجاء من ذبح الأبناء واستباحة النساء ؛ وكان ذلك نوعاً من مظهرية الشر . وهذا ابتلاء صعب .
وسبق أنْ أوضحنا أنَّ البلاء يكون بالخير أو بالشر ، فقد قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] .