بالمعنى، ولهذا كان يعجل بتلاوته ويأمر بكتابته؛ لأنه كان يخاف أن ينسى كلمة
منه أو يذهل عن ترتيبه الذي ألقي في قلبه حتى أمنه الله تعالى بقوله: سَنُقْرِئُكَ
فَلاَ تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ (الأعلى: 6 - 7) أي فلا تنسى أبدًا؛ لأن هذا
الاستثناء من مؤكدات النفي كقوله تعالى: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَراًّ إِلاَّ مَا
شَاءَ اللَّهُ (الأعراف: 188) وقوله عز وجل: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ (هود: 107) وبقوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ (القيامة: 16 - 19) فتأمل كيف سمَّى الله تعالى إيحاءه إليه قراءة منه
سبحانه وتعالى، وإلقاء المعنى وحده لا يسمى قراءة، ويظهر لك الفرق بين وحي
المعنى وحده، ووحي اللفظ مع المعنى بالرؤى؛ فإن الرؤيا الصالحة للأنبياء من
الوحي، وقد يتمثل المعنى للرائي بصورة محسوسة فيعبر عنه بلفظ يناسبه، كما
عبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن اللبن الذي رآه في المنام بالعلم، وقد
يرى الرائي شخصًا يقول له كلامًا يحفظه ويعيه بلفظه أو بمعناه فقط، وما دام
الوحي خطابًا للروح فلا فرق في حقيقته بين يقظة ومنام.
ولما خصَّ الله تعالى هذا النوع من الوحي الذي سماه قرآنًا بهذه الخصوصية،
ولم يجعل للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيه عملاً ولا كسبًا إلا بتبليغه والعمل به
كما أنزل ليكون آية بينة على صدقه ومعجزًا للبشر - والنبي منهم - ومحفوظًا
إلى الأبد جعل له أحكامًا خاصة به، منها حرمة مسِّه للمُحْدِث وحرمة قراءته على
الجنب وحرمة روايته بالمعنى، وعدم جواز الصلاة بغيره، والأجر على تلاوته
لأنها عبادة، حتى ورد أن للقارئ بكل حرف عشر حسنات، وذهب بعض العلماء
إلى حرمة بيعه وبعضهم إلى كراهتها، وهذا القدر كافٍ في الفرق بين القرآن
الكريم، والأحاديث القدسية في الكنه والحكم، والله تعالى أعلم.
حكم الأعطار الفرنجية