ومن المفيد أن نشير إلى أن الفعل من هذا الاسم لم يبق شيء منه في العربية المعاصرة، بل احتفظت به العاميّة في العراق ولا سيما في الحواضر، يقال: هو لا يحيص أو ما يحيص، أي: ما يتحرك وليس له أن يفلت.
6 -وقال تعالى: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ(31) .
قال الزمخشري:
أي: أن الناس يخرجون في ذلك اليوم أموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلا ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيرا منها وأما الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى: (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى(19) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) [الليل] ، فلا
يفعله إلّا المؤمنون الخلّص، فبعثوا عليه، ليأخذوا بدله، في يوم لا بيع فيه ولا خلال أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالّة، ولا بما ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات.
7 -وقال تعالى: (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [الآية 37] .
وقوله تعالى: (تَهْوِي إِلَيْهِمْ أي:
تسرع إليهم، وتطير نحوهم شوقا ونزاعا، كقول أبي كبير الهذلي:
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوي مخارمها هويّ الأجدل
وقرئ: تهوى إليهم، على البناء للمفعول.
أقول: واستعمال «تهوي» في الآية استعمال في المجاز، ذلك أنّ الأفئدة تميل وتجنح إليهم شوقا، وليس «الهويّ» على حقيقته، وهو السقوط.
والذي بقي من استعمال هذا الفعل، هو المعنى الحقيقي.
8 -وقال تعالى: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ(43) . والإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئيّ، تديم النظر إليه لا تطرف.
و «مقنعي رؤوسهم» أي: رافعيها.
«وأفئدتهم هواء» ، أي: خلاء لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء، إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جرأة، قال حسان يهجو أبا سفيان:
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي ... فأنت مجوّف نخب هواء
فكون الأفئدة هواء أي: صفرا من الخير.
9 -وقال تعالى: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ(46) .
«إن» هنا في الآية نافية، واللام مؤكّدة لها.
والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم.
وهذه الآية شاهد آخر في مجيء «إن» النافية التي أشرنا إليها، وبسطنا فيها القول. انتهى انتهى {من بديع لغة التنزيل} .