والمعنى: أي أفمن هو قائم بحفظ أرزاق الخلق، ومتولي أمورهم، وعالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال من خير أو شر، ولا يعزب عن شيء كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تدفع عن نفسها ولا عمن يعبدها ضرًّا ولا تجلب لهم نفعًا.
وخلاصة ذلك: أنه لا عجيب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، وإنما العجب كل العجب من جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها بقوارع تترى واحدة بعد أخرى يشاهدونها رأي العين كمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن اتخاذه ربًّا يُرجى نفعه أو يُخشى ضره.
ثم أكد هذا بقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} ؛ أي: وجعل المشركون الأصنام شركاء لله سبحانه وتعالى، والظاهر أن هذه الجملة مستأنفة جيء بها للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره يعني: إن الكفار سووا بين الله وبين الأصنام، واتخذوها شركاء له في العبادة، وإنما تكون سواء وشركاء فيها لو كانت سواء وشركاء في القيام على كل نفس، فما أعجب كفرهم وإشراكهم وتسويتهم مع علمهم التفاوت بينهما؛ أي: تعجبوا من ذلك. وقيل: الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس صالحة وطالحة، والحال أنهم جعلوا له شركاء كمن هو ليس كذلك، فأقيم الظاهر وهو لفظ الجلالة مقام المضمر تقريرًا للإلهية وتصريحًا بها. وقيل {وَجَعَلُوا} معطوف على {اسْتُهْزِئَ} بمعني: ولقد استهزؤوا وجعلوا لله شركاء. وقال أبو البقاء: هو معطوف على {كَسَبَتْ} ؛ أي: وجعلهم لله شركاء. اهـ."سمين"؛ أي: وجعلوا لله شركاء عبدوها معه تعالى من أصنام وأوثان وأنداد.
ثم أعقب ذلك بتوبيخ إثر توبيخ، فقال: {قل} لهم يا محمَّد {سَمُّوهُمْ} أي: بينوا شركاءكم بأسمائهم وصفوهم بصفاتهم، فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة، يشير إلى أن الأسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئًا من صفات الله، فكيف تسمونهم!؟