والخلاصة: أي ثم أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم، ألم أذقهم أليم العذاب، وأجعلهم عبرة لأولي الألباب؟ وقد صدق الله وعده ونصر رسوله على عدوه، فدخل في دين الله من دخل، ومن أبى قتل، ودانت العرب كلها له، وانضوت تحت لوائه، وحقت عليهم كلمة ربك.
33 -وفي هذا: تعجيب مما حلّ بهم، ودلالة على شدته وفظاعة أمره كما لا يخفى. ثم ذكر سبحانه ما يجري مجرى الحجاج عليهم، وما فيه توبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، وكيف أنها وصلت إلى حدّ لا ينبغي لعاقلٍ أن يقبله ولا يرضى به، فقال: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و (الفاء) : عاطفة على ذلك المحذوف،
و {من} الموصولة مبتدأ خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، دل على ذلك المحذوف قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} نظير قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} تقديره: كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} ، وقد جاء مبينًا كقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} وقوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} . وتقدير الكلام هنا: أعميتم وسويتم بين الله وبين خلقه، فمن هو قائم ورقيب على كل نفس وحافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت وهو الله سبحانه وتعالى وحده، كمن ليس بقائم عليها، بل هو عاجز عن نفسه، ومن كان عاجزًا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؛ أي: ليسا مستويين، بل القائم على كل نفسٍ بما كسبت هو المستحق للألوهية والربوبية، لا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع.
ومعنى القيام: التولي لأمور خلقه والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، يقال: قام فلان بفلان إذا كفاه وتولاه.