32 -وقوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} .. إلخ. تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه بالآيات، والتنكير في {رُسُلٍ} للتكثير، والإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان؛ أي: مدة طويلة منه في دعة وراحة وأمن كالبهيمة في المرعى؛ أي: وعزتي وجلالي لقد استحقر واستهين وأوذي وكذب برسل كثيرة من قبلك؛ أي: استهزأ بهم قومهم كما أن قومك يا محمَّد استهزؤوا؛ أي: إن يستهزئ بك هؤلاء المشركون من قومك، ويطلبوا منك الآيات تكذيبًا لما جئتهم به .. فاصبر على أذاهم، وامض لأمر ربك، فلقد استهزأت أمم من قبلك برسلهم. ثم بين سبحانه شأنه مع المكذبين، فقال: {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ أي: فأمهلت للمستهزئين الذين كفروا بالله وبرسله، وأطلت لهم مدة من الزمان في أمن وسعة وراحة؛ أي: فتركتهم ملاوة؛ أي: مدة من الزمان في أمن ودعة وراحة، كما يملي للبهيمة في المرعى {ثُمَّ} بعد الإملاء والإمهال والاستدراج {أَخَذْتُهُمْ} بالعقوبة والعذاب الذي أنزلته بهم. والاستفهام في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} للتقريع والتهديد، أو التعجيب؛ أي: فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزؤوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم؛ أي: على أي حالة وقع عقابي لهم، هل كان ظلمًا لهم أو كان عدلًا؛ أي: هو واقع موقعه أي: هو عدل، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك يا محمَّد.
والمعنى: كيف رأيت يا محمَّد ما صنعت بمن استهزأ برسلي، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - عقوبتهم إلا أنه علم بالتحقيق، فكأنه رأى عيانًا. وفي"بحر العلوم": فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم، فتشاهدون أثر ذلك، وهذا تعجيب من شدة أخذه لهم؛ سلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن استهزائهم به وأذاهم وتكذيبهم واقتراحهم الآيات بأن له في الأنبياء أسوة، وأن جزاء ما يفعلون به ينزل بهم كما نزل بالمستهزئين بالأنبياء جزاء ما فعلوا. وفيه إشارة إلى أن من أمارات الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء.