وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم ؛ لأنهم يتبعون ديناً سماوياً ؛ وساعة يرى رائحة صاحب خير يرجحه على صاحب الشر ؛ فهو يطلب لهم النصر ويُبشِّره الله بخير نصرهم في بِضْع سنين ، وهم يحملون رائحة الخير ، رغم أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومعنى: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ ...} [الرعد: 36]
أي: أنني سأعبد الله وحده ، ولن أعطف على عبادته شيئاً ؛ ويدعو لعبادته وحده ؛ لأنه يعلم أنه سيؤوب إليه ، كما سيؤوب إليه كُلُّ إنسان ؛ فلا أحدَ ينفلِتُ من ربه وخالقه ، ولابُدَّ لكل إنسان أن يُعِد عُدَّته لهذا المآب .
ويقول سبحانه من بعد ذلك:
{وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ...}
والمقصود ب"كذلك"إشارة إلى إرسال الرسل المُتقدِّمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه ، ولم يقترحها أحد .
وقوله: {أَنزَلْنَاهُ ...} [الرعد: 37]
ساعةَ نسمعه نرى أن هناك مكانة عَلِيّة يُنزِل منها شيئاً لمكانة أدْنَى ، ومثل ذلك أمر معروف في الحِسِّيات ، وهو معروف أيضاً في المعنويات .
بل وقد يكون هذا الشيء لم يَصِل إلى السماء ؛ ولكنه في الأرض ، ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ...} [الحديد: 25]
وهو إنزالٌ ، لأنه أمر من تدبير السماء ، حتى وإنْ كان في الأرض: {وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ...} [الرعد: 37]
والحكم هو المُعْنى ، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن ، وهو كتاب ؛ والكتاب مَبْنى ومَعْنى ، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات ، أي: أنه أنزل القرآن حُكْماً ؛ وهذا يعني أن القرآن في حَدِّ ذاته حكم .