وأنت حين تصف قاضياً يحكم تمام العدل ؛ لا تقول"قَاضٍ عادلٌ"بل تقول"قَاضٍ عَدْل"أي: كأن العدل قد تجسم في القاضي ؛ وكأن كل تكوينه عدل . والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحكم العدل ، ويصفه بأنه: {حُكْماً عَرَبِيّاً ...} [الرعد: 37]
لأن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لابد أن يكون عربياً . ولذلك يقول في آية أخرى . {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44]
أي: أنه شرفٌ كبير لك ولقومك ، أن نزل القرآن بلغة العرب .
وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافيةً ؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعَّبتْ إلى لهجات أولاً ، ثم استقلتْ كل لهجة فصارتْ لغة ، مثل اللغة اللاتينية التي خرجتْ منها أغلب لغات أوربا المعاصر من: إنجليزية وفرنسية وإيطالية ، ووجدنا تلك اللغات تتفرَّق إلى لغات استقلالية ، وصار لكل منها قواعد مختلفة .
بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت"إنجليزية إنجليزية"يتكلم بها أهل بريطانيا ؛ و"إنجليزية أمريكية"يتكلم بها أهل الولايات المتحدة .
ولو تركنا نحن لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا ؛ فلن يفهم بعضنا البعض ، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض حين نتكلم هو اللغة الفصحى .
ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي ، فنجد إنساناً تربَّى على اللغة الفرنسية ، أو تكون لغة جَمْعاً بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية ، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئاً ، وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب ؛ لأن فطرته تستقبل الفصحى فهماً وإدراكاً .
وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي .
ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه: حُكْماً عَرَبِيّاً .