وبها استدل القاضي على أنها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ} [القصص: 88] لكن أكلها لا ينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لا تكون مخلوقة بعد ، ثم قال: ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء يتمتع بها من شاء الله تعالى من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول: إن جنة الخلد إنما تخلق بعد الإعادة.
وأجاب الإمام عن ذلك بأن دليله مركب من شيئين قوله تعالى: {هُوَ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] وقوله سبحانه: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة كقوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} [الحديد: 21] ا ه.
ويرد على الاستدلال أنه مشترك الالزام إذ الشيء في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] الموجود مطلقاً كما في قوله تعالى: {خالق كُلّ شَيْء وَهُوَ على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ} [الزمر: 62] والمعنى أن كل ما يوجد في وقت من الأوقات يصير هالكاً بعد وجوده فيصح أن يقال: لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقاً للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} فوجدها في وقت من الأوقات باطل.