والله عزَّ وجلَّ أحسن كل شيء خلقه .. وأتقن كل شيء صنعه .. فكل شيء عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل .. تام المنفعة لما خلق له وهيئ له: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) } [السجدة: 6 - 7] .
وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة، أو امتزاج، أو أسباب أخر تقتضي فساده، فلو تُرِك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد.
ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه، يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه، وأحوال أهله، جاءت بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه.
ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تُحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأسقام والأمراض، ومن القحط والجدب والطواعين، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها، ونقص أوزانها وأحجامها أموراً متتابعة كما قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف: 96] .
ولا زالت تحدث الآفات والعلل كل وقت في الزروع، والثمار، والأشجار، والإنسان، والحيوان، ويحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة، وبعضها آخذ برقاب بعض.
وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات
والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وهوائهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم كما قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم: 41] .