وقيل: المراد بالذكر هنا الطاعة، وقيل: بوعد الله، وقيل: بذكر رحمته، وقيل: بذكر دلائله الدالة على توحيده. {أَلَا} ؛ أي: انتبهوا من غفلتكم واعلموا أنه {بِذِكْرِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى {تَطْمَئِنُّ} . وتستأنس {اَلقُلُوبُ} ؛ أي: قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها؛ أي: ألا بذكر الله وحده لا بغيره تطمئن قلوب المؤمنين، ويزول القلق والاضطراب من خشيته بما يفيضه عليها من نور الإيمان الذي يذهب الهلع والوحشة، وهي بمعنى قوله في الآية الأخرى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
فَإِنْ قُلْتَ: أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} والوجل استشعار الخوف وحصول الاضطراب، وهو ضد الطمأنينة، فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة، وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحدة؟
قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة إنما تكون عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه؛ أي: فالمؤمنون إذا ذكروا عقاب الله، ولم يأمنوا من وقوعهم في المعاصي وجلت قلوبهم، كما قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت نفوسهم واطمأنت إلى ذلك الوعد، وزال منها القلق والوحشة كما قال: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} .
وفي الآية إيماء إلى أن الكفار أفئدتهم هواء؛ إذ لم تسكن نفوسهم إلى ذكره، بل سكنت إلى الدنيا وركنت إلى لذاتها.
29 -ثم بين سبحانه جزاء المطمئنين وثوابهم، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ أي: الذين جمعوا بين الإيمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح، وهو مبتدأ خبره {طُوبَى لَهُمْ} ؛ أي: لهم عند ربهم في الآخرة حالة طيبة وعيشة طيبة ومثوبة حسنى وفرح وسرور، وقيل: طوبى: شجرة في الجنة، وقيل: هي الجنة. {و} لهم {حسن مآب} ؛ أي: ولهم عند ربهم مآب حسن ومرجع حسن ومنقلب طيب ينقلبون ويرجعون إليه في الآخرة وهو الجنة.