وأخرج الترمذي عن ابن مسعود وصححه قال: نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك، فقال:"ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".
قال في"الحكم العطائية": إن أردت أن لا تعزل، فلا تتول ولايةً لا تدوم لك، وكل ولايات الدنيا كذلك، وإن لم تعزل عنها بالحياة عزلت عنها بالممات، قال: وقد جعل الله الدنيا محلًا للأغيار ومعدنًا لوجود الأكدار تزهيدًا لك فيها حتى لا يمكنك استناد إليها ولا تعريج عليها. وقد قيل: إن الله تعالى أوحى إلى الدنيا: تضيقي وتشدَّدي على أوليائي، وترفَّهي وتوسَّعي على أعدائي، تضيَّقي على أوليائي حتى لا يشتغلوا بك عني، وتوسَّعي على أعدائي حتى يشتغلوا بك عني، فلا يتفرَّغوا لذكري انتهى.
فغاية متاع الدنيا أنها مثل القصعة والقدح والقدر ينتفع بها، ثم تذهب، والعاقل لا يفرح بما يفارقه عن قريب ويورثه حزنًا طويلًا، وإن حدثته نفسه بالفرح به يكذبها. قال الشاعر:
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ لاَ يَرَى مَا يَسُوْؤُهُ ... فَلاَ يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخَافُ لَهُ فَقْدَا
27 -ولما أبان سبحانه وتعالى أنهم قد انخدعوا بالسراب واكتفوا بالحباب - نفاخات الماء التي تعلوه - ... ذكر ما ترتب على ذلك الغرور من اقتراحهم على رسوله - صلى الله عليه وسلم - الآيات، فقال: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ أي: ثبتوا واستمروا على كفرهم وعنادهم من أهل مكة وغيرهم {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} ؛ أي: هلا أنزل على محمَّد - صلى الله عليه وسلم - {آيَةٌ} ؛ أي: علامة عظيمة ومعجزة باهرة كائنة {مِنْ رَبِّهِ} ؛ أي: من رب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - مثل آيات موسى وعيسى عليهما السلام من العصا وإحياء الموتى ونحوهما؛ لتكون دليلًا وعلامة على صدقه.