وإن اللَّه الذي بسط الرزق وقدره لم يجعل أمر الدنيا في السعة والضيق دليلا على الرضا أو البغض إنما هذا للاختبار، فهو سبحانه وتعالى يختبرنا بالتوسعة ويطالب بالشكر، ويختبر بالقدر والضيق ويطالب بالصبر، وكل له جزاؤه.
وإن أولئك المشركين بسط اللَّه تعالى لهم في الرزق فلم يشكروا، ولأن الشكر يقتضي أن يحسوا بفضل المنعم، لَا أن يحس فقط بالاستمتاع بما أعطى، والاستطالة به على الناس وإن ذلك ينشأ من الفرح ببسط الرزق، لَا ينشأ من القيام بحق الشكر؛ لأن إحساس المؤمن بأنها ابتلاء، كما قال تعالى: (. . . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .) ، وإحساس الكافر بأنها متعة ينتهزها.
ولقد قال في ذلك: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي إن الكافرين فرحوا بما بسط اللَّه تعالى من الدنيا، ففرحوا بها فرحا أدى إلى أن بطروا معيشتهم، وغمطوا الناس حقوقهم، وإن فرحهم بالحياة الدنيا لم يكن فرحا يذوقون حلوها ومرها، بل فرح استعلاء واستغواء لَا يلاحظون إلا أنها متعتهم يستكبرون بها على غيرهم،
وينسون في سبيل ذلك كل حق عليهم، ولا يعرفون أن المتعة حق يتبعه واجب، وبذلك تكون متعة لَا يعقبها خير في الآخرة ينالون به نعيما مقيما؛ إذ لم يلتفتوا إلى الآخرة ومما فيها، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) التنكير في (مَتَاعٌ) للتحقير لَا للتكبير، أي الإمتاع نزر قليل، لَا بقاء له، لأنه سرعان ما يزول إذ هو في الدنيا، والدنيا زائلة، ويقول الزمخشري في ذلك: (وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئا نزرا يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله به من تُميرات، أو شربة سويق أو نحو ذلك) .
ولقد ذكر اللَّه تعالى في آيات أخر، مثل قوله تعالى: (. . . قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ، وقوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، وقوله تعالى:
(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) .