وقد بين اللَّه سبحانه الجزاء الأوفى للذين لايؤمنون، فقال تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) اللعنة هي الطرد، وقد ذكرت غير مقيدة، فإنها في الدنيا أو الآخرة، أما لعنتهم في الدنيا فالمقت الشديد والبغض والكراهية، وسوء الأحدوثة، واقتران حياتهم بالخوف من الناس، والاضطراب النفسي حتى يموتوا بغيظهم، وسوء الحديث عنهم تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل. ويقال فيهم ما قاله الشاعر البطل محمود سامي البارودى:
زالوا فما بكت الدنيا لطلعتهم ... ولا تعطلت الأعياد والجمع
واللعنة في الآخرة: الطرد من رحمة اللَّه ورضوانه، فلا ينظر إليهم ولا يكلمهم اللَّه ولا يزكيهم (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) والدار هي الآخرة وسوءها جهنم وبئس المهاد.
وإن المشركين كانوا يغترون بمالهم ونفوذهم، والمؤمنون كانوا في أكثرهم فقرا وضعفا وكانوا يعقدون ملازمة بين رضا اللَّه والفقر، فمن كان غنيا فهو موضع رضا اللَّه، ومن كان فقيرا ضعيفا فهو موضع مقت اللَّه تعالى، فازدادوا بذلك كفرا وطغيانا، فبين اللَّه سبحانه أنه لَا ارتباط بين الغنى والإيمان، ولا بين الضعف والكفر.
قال تعالت كلماته:
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ(26)
صدّر سبحانه وتعالى الآية الكريمة بلفظ الجلالة الذي يطالبهم اللَّه تعالى بعبادته وحده من غير أن يشركوا به شيئا، ويبين سبحانه أنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء، أي يمده ويجعله ممدودا واسعا، ويقدره لمن يشاء أي يجعله محدودا قليلا، كقوله تعالى: (. . . وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّف اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا. .) .
والمعنى في تصدير الآية بلفظ الجلالة هو أن اللَّه تعالى هو الذي بسط لكم الرزق، فكان حقا عليكم أن تشكروا لَا أن تكفروا وتشركوا أحجارا. وهو الذي قدر الرزق للضعفاء والفقراء فصبروا فحق لهم التكريم وحسن الجزاء، ولا يستوي المحسن والمسيء، ولا الأعمى والبصير.