جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليمًا منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب وبغير أسباب سواء؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء ؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارًا) أي: وجعل فيها أنهارًا؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهارًا؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.
قال بعض أهل التأويل: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي: لونين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضا وحلوًا ومرّا ومزًّا، إلا أن يقال: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر. وأما على غير هذا فإنه لا يصح.
وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن اللَّه، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) .