وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف حزن واحد من المقاتلين المسلمين لحظة أنْ أفلتَ من خالد بن الوليد أيام أنْ كان على الكفر ؛ وهو لا يعلم أن الحق سبحانه قد ادخر خالداً ليكون سيف الله المسلول من بعد إسلامه .
وهكذا شاء الحق أن يُفلت بعض من صناديد قريش من القتل أيام أنْ كانوا على الكفر ، كي يكونوا من خيرة أهل الإسلام بعد ذلك .
ويتابع سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ...} [الرعد: 6]
فمع أن الناس ظالمون ؛ فسبحانه يغفر لهم ؛ لأنه سبحانه أفرح بعبده التائب المؤمن من أحدكم ، وقد وقع على بعيره ، وقد أضلَّه في فلاة .
ولذلك أرى أن مَنْ يُعيِّر عبداً بذنب استغفر منه الله ؛ هو إنسان آثم ؛ ذلك أن العبد قد استغفر الله ؛ فلا يجب أنْ يحشر أحد أنفه في هذا الأمر .
ونلحظ هنا قول الحق سبحانه: {على ظُلْمِهِمْ ...} [الرعد: 6]
وفي هذا القول يجد بعض العلماء أن الله قد استعمل حرفاً بدلاً من حرف آخر ؛ فجاءت"على"بدلاً من"مع".
ونلحظ أن"على"هي ثلاثة حروف ؛ و"مع"مكونة من حرفين ؛ فلماذا حذف الحق سبحانه الأخفَّ وأتى ب"على"؟ لابد أن وراء ذلك غاية .
أقول: جاء الحق سبحانه ب"على"في قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ...} [الرعد: 6]
ليؤكد لنا أن ظلم الناس كان يقتضي العقوبة ؛ ولكن رحمته سبحانه تسيطر على العقوبة .
وهكذا أدت كلمة"على"معنى"مع"، وأضافت لنا أن الحق سبحانه هو المسيطر على العقوبة ؛ وأن رحمة الله تَطْغَى على ظلم العباد .
ومِثْل ذلك قوله سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ ...} [الإنسان: 8]
أي: أنهم يُحِبون الطعام حَبَّاً جَمَّاً ؛ لكن إرادة الحفاوة والكرم تَطْغى على حُبِّ الطعام .