{فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] هذا من الإلهامات المجملة وهي إنذارات وبشارات ، ويجوز أن يكون علم عليه السلام ذلك من الرؤيا ؛ قال بعضهم: إن يعقوب دبر ليوسف عليهما السلام في ذلك الوقت خوفاً عليه فوكل إلى تدبيره فوقع به ما وقع ولو ترك التدبير ورجع إلى التسليم لحفظ {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايات لّلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] وذلك كسواطع نور الحق من وجهه وظهور علم الغيب من قلبه ومزيد الكرم من أفعاله وحسن عقبى الصبر من عاقبته ، وكسوء حال الحاسد وعدم نقض ما أبرمه الله تعالى وغير ذلك ، وقال بعضهم: إن من الآيات في يوسف عليه السلام أنه حجة على كل من حسن الله تعالى خلقه أن لا يشوهه بمعصيته ومن لم يراع نعمة الله تعالى فعصى كان أشبه شيء بالكنيف المبيض والروث المفضض.
وقال ابن عطاء: من الآيات أن لا يسمع هذه القصة محزون مؤمن بها إلا استروح وتسري عنه ما فيه ، {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} [يوسف: 16] قيل: إن ذلك كان بكاء فرح بظفرهم بمقصودهم لكنهم أظهروا أنه بكاء حزن على فقد يوسف عليه السلام ، وقيل: لم يكن بكاءً حقيقة وإنما هو تباك من غير عبرة ؛ وجاؤا عشاء ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار أو ليدلسوا على أبيهم ويوهموه أن ذلك بكاءً حقيقة لا تباك فإنهم لو جاؤا ضحى لافتضحوا:
إذا اشتبكت دموع في خدود...
تبين من بكى ممن تباكى
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] وهو السكون إلى موارد القضاء سراً وعلناً ، وقال يحيى بن معاذ: الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر ، وقال الترمذي: هو أن يلقي العبد عنانه إلى مولاه ويسلم إليه نفسه مع حقيقة المعرفة فإذا جاء حكم من أحكامه ثبت له مسلماً ولا يظهر لوروده جزعاً ولا يرى لذلك مغتماً ، وأنشد الشبلي في حقيقة الصبر:
عبرات خططن في الخد سطرا...
فقراه من لم يكن قط يقرا
صابر الصبر فاستغاث به الصب...