والخلاصة: أنك لا تسألهم على ذلك مالًا ولا منفعة، فيقولوا: إنما تريد بدعائك إيانا إلى اتباعك أن ننزل لك من أموالنا إذا سألتنا عن ذلك، فحالك حاله من سبقك من الرسل، فهم لم يسألوا أقوامهم أجرًا على التبليغ والهدى. والقرآن مليء بنحو هذا كما في سورتي هود والشعراء وغيرهما.
وإذا كنت لا تسألهم على ذلك أجرًا، فقد كان حقًّا عليهم أن يعلموا أنك إنما تدعوهم إليه اتباعًا لأمر ربك ونصيحة منك لهم {إِنْ هُوَ} ؛ أي: ما هذا القرآن الذي أرسلك به ربك {إِلَّا ذِكْرٌ} ؛ أي: إلا تذكير وموعظة وإرشاد {لِلْعَالَمِينَ} كافة لا لهم خاصة، وبه يهتدون وينجون في الدنيا والآخرة. وفي الآية إيماء إلى عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - .
105 - {وَكَأَيِّنْ} في قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بمعنى: كم الخبرية مبتدأ، خبره جملة {يَمُرُّونَ} الآتي؛ أي: وكثير من آيات وعلامات دالة على توحيد الله تعالى، وكمال علمه وقدرته من شمس وقمر، ونجوم وجبال وبحار ونباتات وأشجار كائنة في السماوات والأرض. وجملة قوله: {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} خبر {وَكَأَيِّنْ} أي: يمر أكثر الناس على تلك الآيات ويشاهدونها {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} ؛ أي: والحال أنهم عن الاعتبار بتلك الآيات معرضون ولا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، وهم غافلون عما فيها من عبرة ودلالة على توحيد ربها، وأن الألوهية لا تكون إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل شيء ، فأحسن تدبيره. وبالجملة فما في السماوات والأرض من عجائب وأسرار، وإتقان وإبداع؛ ليدل أتم الدلالة على العلم المحيط، والحكمة البالغة، والقدرة التامة.
والذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما ذاهلون عن ذكره، يمتعون عقولهم بلذة العلم، ولكن أرواحهم تبقى محرومة في لذة الذكر ومعرفة الله عز وجل؛ إذ الفكر وحده، وإن كان مفيدًا لا تكون فائدته نافعة في الآخرة إلا بالذكر، والذكر وإن أفاد في الدنيا والآخرة لا تكمل فائدته إلا بالفكر، فطوبى لمن جمع بين الأمرين، فكان من الذين أوتوا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ونجوا من عذاب النار في الآخرة.