103 -وخلاصة هذا: أن الله تعالى أطلع رسوله على أنباء ما سبق؛ ليكون فيها عبرة للناس في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثرهم، ومن ثم قال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ} عام لأهل مكة وغيرهم {وَلَوْ حَرَصْتَ} على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات الدالة على صدقك لهم. والحرص: طلب الشيء باجتهاد في إصابته {بِمُؤْمِنِينَ} لعنادهم وتصميمهم على الكفر؛ أي: وما أكثر الناس من مشركي مكة وغيرهم ولو حرصت على أن يؤمنوا بك، ويتبعوا ما جئتهم به من عند ربك بمصدقيك ولا متبعيك. قال الرازي: إن كفار قريش وجماعة من اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يوسف على سبيل التعنت، فلما أخبرهم على وفق ما في التوراة .. أصروا على كفرهم، ولم يسلموا، فتأسف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحزن على عدم إيمانهم، فعزاه الله سبحانه وتعالى بهذه الآية: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } وكأنها إشارة إلى ما ذكر الله تعالى بقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
فَإِنْ قُلْتَ: فما فائدة التكليف والأمر بما يعلم عدم وقوعه؟
قلتُ: فائدته تمييز من له استعداد ذلك؛ لتظهر السعادة والشقاوة وأهلهما.
فَإِنْ قُلْتَ: لم كان الكفرة أكثر مع أن الله تعالى خلق الخلق للعبادة؟
قلت: المقصود ظهور الإنسان الكامل، وهو واحد كألف.
104 - {وَمَا تَسْأَلُهُمْ} يا محمد {عَلَيْهِ} ؛ أي: على تبليغ الأنباء التي أوحينا إليك وعلى تبليغ القرآن {مِنْ أَجْرٍ} ؛ أي: من مال يعطونك كما يفعله حملة الأخبار ونقال الآثار. والمراد: إنا أرخينا العلة في التكذيب حيث بعثناك مبلغًا بلا أجر. وقرأ بشر بن عبيد: {وما نسألهم} - بالنون - ؛ أي: وما تسأل يا محمد هؤلاء الذين ينكرون نبوتك على ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لربك وطاعته، وترك عبادة الأصنام والأوثان من أجر وجزاء منهم، بل ثوابك وأجر عملك على الله سبحانه وتعالى.